المقريزي

11

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

دينار ، فخسر الناس كثيرا من أموالهم في الدينار الأبيض والدينار الراضي ، وكان صرف المعّزيّ خمسة عشر درهما ونصفا واشتدّ الاستخراج ، فكان يستخرج في اليوم نيّف وخمسون ألف دينار معزّية ، واستخرج في يوم واحد مائة وعشرون ألف دينار معزّية ، وحصل في يوم واحد من مال تنّيس ودمياط الأشمونين أكثر من مائتي ألف دينار وعشرين ألف دينار ، وهذا شيء لم يسمع قطّ بمثله في بلد . فاستمرّ الأمر على ذلك إلى المحرّم سنة خمس وستّين وثلاثمائة . فتشاغل يعقوب عن حضور ديوان الخراج ، وانفرد بالنظر في أمور المعزّ لدين اللّه في قصره وفي الدور الموافق عليها ، وبعد ذلك بقليل مات « 1 » المعزّ لدين اللّه في شهر ربيع الآخر منها وقام من بعده في الخلافة ابنه العزيز بالله أبو منصور نزار « 2 » ، ففوّض ليعقوب النظر في سائر أموره وجعله وزيرا له في أوّل المحرّم سنة سبع وستّين وثلاثمائة . وفي شهر رمضان سنة ثمان وستّين لقبه بالوزير الأجلّ ، وأمر أن لا يخاطبه أحد ولا يكاتبه إلّا به ، وخلع عليه وحمل ورسم له في محرّم سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة أن يبدأ له في مكاتباته باسمه على عنوانات الكتب النافذة عنه ، وخرج توقيع العزيز بذلك . وفي هذه السنة اعتقل في القصر ، وردّ الأمر إلى خير بن القاسم ، فأقام معتقلا عدّة شهور ثم أطلق في سنة أربع وسبعين وحمل على عدّة خيول ، وقرىء سجلّ بردّه إلى تدبير الدولة . ووهبه خمسمائة غلام من الناشئة وألف غلام من المغاربة ملّكه العزيز رقابهم ، فكان يعقوب أوّل وزراء الخلفاء الفاطميين بديار مصر . فدبّر أمور مصر والشام والحرمين وبلاد المغرب وأعمال هذه الأقاليم كلّها من الرجال والأموال والقضاء والتدبر ، وعمل له إقطاعا في كلّ سنة بمصر والشام مبلغها ثلاثمائة ألف دينار ، واتسعت دائرته وعظمت مكانته حتّى كتب اسمه على الطرز « 3 » ، وفي الكتب ، وكان يجلس كلّ يوم في داره يأمر وينهي ولا ترفع إليه رقعة إلا وقّع فيها ، ولا يسأل في حاجة إلا قضاها ، ورتب في داره الحجّاب نوبا ، وأجلسهم على مراتب وألبسهم الديباج ، وقلّدهم السيوف ، وجعل لهم المناطق « 4 » ، ورتب فرسين في داره للنوبة لا تبرح واقفة بسروجها ولجمها ، لهم برد « 5 » ، ونصب في داره الدواوين ، فجعل ديوانا للعزيزية فيه عدّة كتّاب ، وديوانا للجيش فيه عدّة كتاب ، وديوانا للأموال فيه عدّة كتّاب ، وعدّة جهابذة « 6 » ، وديوانا للخراج ، وديوانا

--> ( 1 ) انظر النجوم الزاهرة : 4 / 113 . ( 2 ) انظر شذرات الذهب : 3 / 121 . ( 3 ) الطراز : لباس خاص بالخليفة أو الوزير والأمراء . ( 4 ) المنطقة : أو الحياصة يتم إلباسها عند التشاريف وإعطاء الخلع . التعريف بمصطلحات صبح الأعشى 114 . ( 5 ) البرد : الثوب المخطط . ( 6 ) في النجوم الزاهرة 2 / 286 : الجهبذ : أمين الصندوق والصيرفيّ .